فخر الدين الرازي
53
تفسير الرازي
الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل ، ولئن سلمنا ذلك ، لكن لم يجوز أن يقال المقدور الذي هو معدوم سمي شيئاً ، لأجل أنه سيصير شيئاً ، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه ، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشيء . المسألة الثانية : زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل ، وهذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة ، ومحمود الخوارزمي ، وزعم الجمهور منا ومن المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام بالفاعل ، احتج القاضي بأن الموجودات أشياء ، والله على كل شيء قدير ، فهو إذاً قادر على الموجودات ، فإما أن يكون قادراً على إيجادها وهو محال لأن إيجاد الموجود محال ، أو على إعدامها ، وذلك يقتضي إمكان وقوع الإعدام بالفاعل . المسألة الثالثة : زعم الكعبي أنه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد ، وزعم أبو علي وأبو هاشم أنه تعالى غير قادر على مقدور العبد ، وقال أصحابنا : إنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد وعلى غير مقدوره ، واحتجوا عليه بأن عين مقدور العبد ومثل مقدوره شيء ، والله على كل شيء قدير ، فثبت بهذا صحة وجود مقدور واحد بين قادرين . المسألة الرابعة : زعم أصحابنا أنه لا مؤثر إلا قدرة الله تعالى ، وأبطلوا القول بالطبائع على ما يقوله الفلاسفة ، وأبطلوا القول بالمتولدات على ما يقوله المعتزلة ، وأبطلوا القول بكون العبد موجداً لأفعال نفسه ، واحتجوا على الكل بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شيء ، فلو وقع شيء من الممكنات لا بقدرة الله بل بشيء آخر ، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة الله عن التأثير فيما كان مقدوراً له وذلك محال ، لأن ما سوى الله ممكن محدث ، فيكون أضعف قوة من قدرة الله ، والأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى . المسألة الخامسة : هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد ، لأنا لو قدرنا إلهاً ثانياً ، فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا يقدر ، فإن لم يقدر البتة على إيجاد شيء أصلاً لم يكن إلهاً ، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله الثاني شيئاً ، فيلزم كونه مقدوراً للإله الأول لقوله : * ( وهو على كل شيء قدير ) * فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين وهو محال ، لأنه إذا كان واحد منهما مستقلاً بالإيجاد ، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجاً إليهما ، وغنياً عنهما ، وذلك محال . المسألة السادسة : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء فقال : لو كان شيئاً لكان قادراً على نفسه لقوله : * ( وهو على كل شيء قدير ) * لكن كونه قادراً على نفسه محال ، فيمتنع كونه شيئاً ، وقال أصحابنا لما دل قوله : * ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد ) * ( الأنعام : 19 ) على أنه تعالى شيء وجب تخصيص هذا العموم ، فإذاً هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص وارد في كتاب الله تعالى ، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع . المسألة السابعة : زعم جمهور المعتزلة أن الله تعالى قادر على خلق الكذب والجهل